شكرًا لأنّ وزني انخفض بسببك، هذا بالضبّط ما كنتُ أحتاج إليه، ولكن لنتّفق ألاّ تزورينني مرّة أخرى، لأنّ أمّي تحتاج إليّ دائمًا ..
هل تعرف ماذا يعني أن تتكّئ عليك امرأة ؟
معناه أن تتحوّل كلّك إلى كتفٍ صلب، لأنّ المرأة تتكّ كلّها عليك جسدًا وروحًا .
معناه أنّ الأطفال المتزاحمين في رحمها يتّكؤون عليك أيضًا، يخربشون جدار الرّحم كي ينظرون إليك ويضعون على عاتقك حياة بأسرها .. وعائلة وجيلاً جديدًا .
معناه أنّ القوّة لم تعد خيارًا .
معناه أنّك ستطعم امرأتك القوّة كي تتكّئ عليها عندما تشعر أنت بالضّعف .
قالت لي والدتي بأنّكِ تردّدتِ كثيرًا قبل الخروج إلى الحياة، كنتِ تنزلقين بين أيدي الممرّضات وأرهقتِها كثيرًا، وعندما استطعن - بعد جهد - إقناعكِ بالخروج قلن لأمّي: beautiful girl .. beautiful girl، لكنّ أمّي لم تكن تريد إلاّ العودة إلى النّوم .
لم أكن قد تعرّفتُ عليكِ في ذلك الوقت، واستغرق الأمر منّي ٤ أعوام لخلق ذاكرة تحفظ صوركِ المتراكمة، أحداث يوميّاتك، اللطفاء الّذين تقابلينهم، والمشاعر الّتي يغزوكِ الجديد منها كلّ لحظة، لكنّني - لو تصدّقين - أحنّ إليكِ جدًا، إلى الحدّ الّذي جعلتُ فيه من العودة إليكِ هدفًا في الحياة، الآن حين يسألني أحدهم: ما هو هدفكِ الأكبر؟ أردّ مباشرة: أن أعود خالصة لوجه الله كما خلقني أوّل مرّة !
أحيانًا، حين أتخيّل وجه صغيرتي، أستحضر وجهكِ بشدّة، ثمّ أضحك وأشعر بالأنانيّة، والواقع أنّني أريد طفلة تشبهكِ، وأريد ألاّ تكبر أبدًا .
قبل أسبوعين، كنتُ أقف أمام المرآة في منزل صديقة عندما قلتُ لإحداهنّ بشرود: لا أريد لرمضان أن يأتي هذا العام ! ثمّ دخلتُ الغرفة وأردفت: ألا يمكنه أن يتأخّر قليلاً ؟ أو لنقل ألاّ يأتي هذا العام ويؤجّل مجيئه حتّى العام القادم ؟
رفعت صديقتي رأسها من “الأيفون” وضحكت بمجاملة، ثمّ انشغلت به ثانية، أمّا أنا فانشغلت بالتّفكير بك، لستُ مستعدّة بعد، أعني على المستوى الروحيّ، كيف أشرح لك هذا؟ هناك الكثير من الأمور الّتي أحتاج إلى حسمها، علاقتي المتوتّرة بالدّعاء مثلاً، لم نصل حتّى الآن إلى اتّفاق بيننا، لكنّني .. لكنّني يا رمضان أشتاق إليك، وأشتاق إلى إحسان الّتي قابلتك آخر مرّة، ما يحزنني أنّك لن تحضرها معك، ولن تستطيع .
ما زلتُ في منزل صديقتي، وضعتْ لنا السكّر وأكياس الشّاي والنسكافيه وأكوابًا بلاستيكيّة على طاولة قصيرة، تأمّلتها وتذكّرتُ الرفّ الّذي يمتلئ بكلّ هذا في مسجد اللامي، وشعرتُ بحنين طاغٍ عبّرتُ عنه: ” أوه تذكرت مسجد اللامي ! اشتقت لرمضان! ” صديقتي الّتي سمعتني أوّل مرّة لم تعلّق ولم تتغيّر ملامح وجهها، أراهن على أنّها لم تكن المرّة الأولى الّتي أعبّر فيها عن شعورين متناقضين في وقت واحد !
ألا تحتاج إلى بعض الرّاحة؟ يمكنني أن أبعث لك أقراصًا منوّمة، أو أن أدفع لك شيئًا من المال لتتركني، أحتاج إلى أن أكون وحدي ..
لم يكن الألم الجسديّ هو ما دفعني إلى البكاء، لكنّني كنتُ بحاجة إلى إيقاظ بعض الضّجيج وفتح الأبواب أمام الهمّ الّذي يسكن روحي، كي يمارس سطوته على الهواء فيملئ كلّ ذرّة فيه .
كانت لديّ القدرة على أن أحكي لكِ كلّ ما في قلبي، كانت لديّ القدرة المفرطة والمتهوّرة والحمقاء على ذلك، وكانت صديقتي في الثّانويّة تقول لي: هل تحملين معكِ قمرًا صناعيًا ينقل إلى أمّكِ كلّ ما يجري في المدرسة؟ ولم أكن أحمل على ظهري شيء، لقد كنتُ طفلة .
وكبرت، وامتطت ظهري الهموم، كلّما جاء همّ لعن أخاه، وضِعتُ وسط همومي، ولم أعد قادرة على التمييز بيني وبينها، تمامًا كما قال بري لحسين البرغوثي: ” ميّز بين الذّهن ومحتواه كما تميّز بين الفنجان والشّاي الّذي في الفنجان يا رجل ! ” أنا الفنجان، والشّاي همومي، أنا الفنجان والشّاي ممتزجين معًا .
أحبّكِ يا أمّي، وكلّما تذكّرتُ كم أحبّكِ نبتت في قلبي عيونٌ صغيرة … وبكت
هل تفعل هذا لأنّك تريد أن تستمع إلى دعواتي ؟ أم لتعاقبني حتّى أرجع عن ذنبٍ أنا فيه ؟ أحيانًا، أتخيّل بأنّني من يقرّر ذلك !
يهزّ قلبي أنّك لم تعطني حتّى الآن ما أردته، وأرفض تصديق أنّك تحتاج إلى إلحاحي في المسألة كي تعطيني إيّاه، يا ربّ، أنت أعظم ممّا يظنّون، وأكرم ممّا يظنّون، لقد آمنتُ دومًا أن توكّلي المطلق عليك هو دعاء خالص، ولربّما احتجتُ إلى التطهّر من خطاياي كي تعطيني مسألتي، لكنّك تتقدّس وتتنزّه عن أن تُشبّه بملوك الأرض الّذين يتركون السّائلين على أبوابهم عطاشى حبًّا في الاستماع إلى رجائهم .
يا ربّ، سوف أرجوك أن تطهّرني، وأن تغسل قلبي، وأن تشرح صدري، وأن تردّني إليّ .. وإليك ردًّا جميلا، لكنّ أمنياتي يا الله، استودعتك إيّاها بحفظك وعدلك وقوّتك، يا من هوَ أعلم بلهيب صدري منّي !
أتساءل كثيرًا: هل يحقّ لي مقاسمة الفرح مع أؤلئك الّذين عجزتُ عن مقاسمة الحزن معهم ؟
لا حقّ لي في هذه السّعادة، ولا حقّ لي في هذه الحرّيّة، ولا حقّ لي في مستقبل كالّذي تعملون من أجله، ولا حقّ لي حتّى في الحديث عن هذا المستقبل !
لو أنّ وحشًا كاسرًا وقف أمامكِ يا ليان وجسده يحرّضه جوعًا على الإنقضاض عليكِ، لما حملته أطرافه على ذلك، ولربّما تحوّل إلى غزالٍ وديع لحظة يراكِ، لكنّ الّذي قتلكِ لم يكن وحشًا يا ليان، لقد كان إنسانًا، والإنسان أشدّ بشاعة من الوحوش بكثير .
وقد يرقى الإنسان ليصبح ملاكًا، هكذا أقول عندما أعود إلى تأمّل وجهكِ، وأفكّر بأنّ المعارك الأسطوريّة بين الملائكة والشّياطين لم تكن كذبًا أبدًا، هناك في سوريّا رأيتُهم، الشّياطين ترتكب بشائع لا نصدّقها، والملائكة تخلق جمالاً لا ندركه .
يسألني النّاس ببساطة - مثلما سألتُ آخرين ببساطة من قبل - : مين هذي البنت الأمّورة في الصّورة؟ وأجيبهم ببرود أصطنعه: ليان العميان، شهيدة من درعا قُتلت قنصًا ! وأضغط على أزرار الكيبورد وأنا أكتب: ق ن ص ا، ليس الأمر محض مصادفة وهذا ما يدفعني للجنون !
حتّى إبليس الّذي كان يقف بجانب قنّاصكِ أغلق عينيه لمّا رأى الرّصاصة تصل إليك .. ثمّ بكى .